أبو ريحان البيروني
114
القانون المسعودي
الباب الثالث في اقتصاص الدوائر السماوية وصفة ألقابها للتعريف في الاستعمال إن من الدوائر السماوية ما يختصّ بها ، ومنها ما يعمّها والأرض ، ثم منها ما هي موجودة فيها بالذات ، ومنها ما وجودها بالإضافة إلى بعض أو بالوضع ، والوهم دون الطبع ، ثم منها ما هي ثابتة الوضع مع حركة الكرة ، ومنها متغيّرة بها ، ثم منها ما يشترك فيقوم أحدهما مقام الأخرى في حال ما ، ومنها ما يتباين فيمتنع أن تنوب أحدهما عن الأخرى ، وما من تحريك للكرة أو حركة فيها مكانية إلّا ولها قطبان على طرفي محورها ومنطقة هي دائرة عظمى بينهما ، وسميت منطقة بالتشبيه لأن موضعها هو الوسط ، ثم ربما كانت حركة المتحرك عليها نفسها ، وربما كانت على مدار مواز لها ، وللحركة الأولى المسمّاة أيضا حركة الكل قطبان منسوبان إليها معروفان بجهتي الشمال والجنوب ومنطقة بينهما تسمى في السماء دائرة معدل النهار ، والدائرة والفلك اسمان يتعاقبان على موضع واحد فيتبادلان ، وربما حمل الفلك على كل الكرة وخاصّة إذا كانت متحركة فالفلك لا يقع على ساكن ، وما سمّي فلكا إلّا على وجه التشبيه بفلكة المغزل الدائر ، وإنما سمّي معدّل النهار بهذا الاسم لأن الشمس إذا وافته ودارت عليه اعتدل النهار وتساوى مع ليله ، وإذا البعد بين الشيئين هو أقصر مسافة بينهما فإن كل نقطة تميل عن معدل النهار ويكون بعدها الكريّ من الدائرة التي تمرّ على قطبي الكل ، وسمي هذا البعد ميلا والدوائر التي تحده تسمى دوائر الميول . ومعلوم أن كل نقطة في السماء فإنها ترسم بالحركة الأولى مدارا موازيا لمعدل النهار أصغر منه بحسب البعد عنه ، وكل دائرة من دوائر الميول فإنها تنصّف جميع المدارات فإن كانت أكثر من واحدة قطعتها بقطع متشابهة ثم إن سطح معدل النهار يقطع كرة الأرض بنصفين منسوبين إلى الجهتين ، ويسمى الفصل المشترك بينه وبين سطح الأرض خط الاستواء بانفراد ، وأما بالإضافة إلى الحركة يسمى كرة منتصبة ومستقيمة وفلكا مستقيما وفارسيّه " جوى راست " ، وسبب تسميته بذلك أن المدارات تنتصب فيه ولا تميل ، ويستوي الليل والنهار عند من سكنه دائما لأن أفقه لمروره على القطبين يقطع كل مدار بينهما